أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
245
التوحيد
والثالث أنه لم يبين في الكبائر قدر العقوبات ، ومعلوم أن اللّه نفى أن يجزى في السيئات إلا مثلها ، ومثل الشرك والمعاندة إنما هو التخليد ، ولا ريب أن ليس بمعاند ولا مشرك له في العبادة ذنبه دون من يفعل ذلك ، بل صحة الاعتقاد في ذلك حمله على الخوف مما حذره ورجاء ما أطمعه في الاعتقاد ، وهو الذي سبق كل شيء لكفره هو محاه عنه ، لم يجز أن يكون قدر ذنبه قدر الأول ، فلم يجز أن يخلد في ذلك ، فيدخل فيه أمران : أحدهما الكذب في الوعد حيث قال : وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [ الأنعام : 160 ] ، ومعلوم أن الكافر المعاند لو جمع عليه جميع ما يعاقب به على شرط النجاة والراحة يحتمل ويختاره ، فثبت أن مثل سيئته هو الخلود في العذاب ، فإذا عذب بمثله من كان ذنبه دونه كان جازيا أكثر من مثله ، وهو ما يعاقب بما يرتكب ، وفي الحكمة عقوبته ، وهذا مما يمنع الحكمة ، واللّه الموفق . والثاني إنه معلوم أن الذي يقابل الجحود والمعاندة من الخير أعظم وأجل من الذي يقابل ما كان في قبوله أن يفعل من الترك على نحو ما كان الجحود والمعاندة من الآخر ، فجاء بالذي هو في الخير أعظم الخير ، وفي الشر لم يبلغ نهايته ، فإذا خلّده في النار أبطل ثواب أفضل الخيرات بارتكاب ما دونه من الشر ، ورد ذلك وصف الجود لا العدل ، والعدل أن يزيد في ثواب ما جاء به على عقاب ما أتى به ، واللّه جل ثناؤه قد أخبر أنه يجزي الحسنة بعشرة أمثالها ، والسيئة بمثلها ، وفي هذا لم يبلغ المثل في الحسنة ولا قصر على المثل في السيئة ، جل اللّه عن ذلك وتعالى . واستدلال من استدل بترك الفعل على الكذب في الأول محال فاسد ؛ لأن في عقل كل واحد لزوم اتقاء الكذب كما في القبول إبقاؤه ، ثم لم يصر وجوده دليلا على كذب عقله ، لما في عقله منعه ، وإن تعدى ذلك فمثله في قبول وقت تعديه ، ولو كان في ذلك تبين لكان كل شيء بالأول ، أو حلّ يجب فساده وحرمته ، ولو كان كذلك لكان لا يجب على المرتد خلاف على الكافر الأصلي ، بل بتصريح الكفر لا يظهر كذبه في الأول ، فكيف فيما فعل ؟ ولو كان بذا ذا فيظهر أيضا بإيمان الكافر من بعد أو بتعاطيه ما لا يقبحه على كذبه في العرف . وأصله وجهان : أحدهما لو كان يظهر به الكذب في الأول لأزيل اللزوم ، وإذا زال ليبطل أن يصير وجوده سببا لإظهار ذلك ، وفيه بطلان ما قالوا ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني إن كلّا يعلم من نفسه في وقت اعتقاده أنه غير كاذب في ذلك ، ثم يعلم من تعدى في دينه ، ولو كان به ظهور لكان لا علم يقع في الحقيقة ، ولا قوة إلّا باللّه ، بل مدعى هذا يلزمه ذلك ؛ إذ في اعتقاده أن لا يكذب ، وكل مؤمن يعلم أنه بهذا القول كاذب ، وكذلك اللّه سبحانه ؛ إذ هو يعلم حقيقة كل شيء بما هو عليه لا بغيره